القائمة الرئيسية

الصفحات

الفتى الذي وصفه الجميع بالعدوانية

 الفتى الذي وصفه الجميع بالعدوانية

أحياناً، يكون الطفل الذي يثير أكبر قدر من المشاكل في الفصل حاملاً في قلبه أثقل القصص. نحن نرى الصراخ والغضب والدفع ومخالفة القواعد، لكننا نادراً ما نرى ما حدث قبل أن يعبر ذلك الطفل بوابة المدرسة؛ فخلف الصوت العدواني قد يكمن قلب خائف، وخلف القبضة المشدودة حاجة ماسة لأن يُفهم المرء. هذه قصة طفل تعلم الجميع الخوف منه، إلى أن قرر شخص ما النظر إلى ما وراء سلوكه وطرح السؤال الذي كان ينبغي طرحه ربما منذ البداية: "ما الذي حدث لك؟"

 أحياناً، لا يكون غضب الطفل سوى صوت خافت يصرخ طلباً للمساعدة.

الطفل الذي يبدو غاضباً حزناً
الطفل الذي يبدو غاضباً حزناً 


في المرة الأولى التي لاحظتُ فيها "آدم"، كان يقف خارج الفصل وقبضتاه مشدودتان بإحكام.

"لا أحد."

"رسمك جميل."

نظر إليّ بريبة.

"لستَ مضطراً لقول ذلك."
"أنا أعني ما أقول."
لم يقل شيئاً.

كان معلمه يتحدث إليه.

لم يكن يستمع.

أو ربما كان يستمع، لكنه كان قد قرر مسبقاً أن أحداً لن يفهمه.

"عُد إلى مقعدك يا ​​آدم."

"لا."

"آدم، أرجوك."

"قلتُ لا!"

تردد صدى صوته في الممر.

توقف بضعة أطفال ونظروا إليه.

تهامس بعضهم.

ابتسم أحدهم

وقال آخر بهدوء:

"إنه مجنون."

سمعه آدم.

تغيرت ملامح وجهه.

للحظة، استطعتُ رؤية شيء ما خلف ذلك الغضب.

شيء يشبه الخوف إلى حد كبير.

ثم ركل باب الفصل.

وابتعد الجميع عنه.

هكذا كانت الأمور تجري عادةً.

عندما يغضب آدم، يبتعد الناس.

عندما يصرخ، يرفع المعلمون أصواتهم.

عندما يدفع طفلاً آخر، يشتكي الأطفال.

عندما يكسر قلم رصاص، يقول أحدهم:

"إنه طفل سيء."

وفي كل مرة كان يوصف فيها بالعدوانية، كان يبدو وكأن جداراً صغيراً آخر يرتفع حول قلبه.

 

لكن أحداً لم يطرح السؤال المهم.

لم يسأل أحد:

"لماذا؟"

لماذا يغضب آدم بهذه السرعة؟

لماذا يتصرف وكأن كل خلاف بسيط هو معركة؟ لماذا كان يُبعد الناس عنه قبل أن تتاح لهم فرصة الاقتراب؟

ولماذا كان يبدو خائفاً كلما رفع شخصٌ بالغٌ صوته؟

ولماذا -بعد كل نوبة غضب- كان يجلس أحياناً بمفرده ويرسم بهدوءٍ في الصفحات الأخيرة من دفتره؟

لاحظتُ تلك الرسومات ذات ظهيرة.

كانت هناك بيوت.

وأشجار.

وولدٌ صغير.

وبجانب الولد، كانت توجد دائماً مساحةٌ فارغةٌ كبيرة.

سألتُه:

"من هذا؟"

أغلق الدفتر بسرعة.

قد لا يحتاج الطفل إلى صوتٍ أعلى
قد لا يحتاج الطفل إلى صوتٍ أعلى


ثم، بعد صمتٍ طويل، سأل:
"هل تظني أنني طفلٌ سيء؟"
ظل ذلك السؤال عالقاً في ذهني.
لأن الأطفال نادراً ما يسألوننا عما إذا كانوا سيئين ما لم يكونوا قد سمعوا ذلك من قبل في مكانٍ ما.
جلستُ بجانبه.
"لا يا آدم. أعتقد أنك تمر بوقتٍ عصيب."
نظر إليّ.
"ما الفرق؟"
ابتسمتُ برفق.
"الطفل السيء لا يحتاج إلى مساعدة؟"
انتظرَ قليلاً.
"لكن الطفل الذي يتألم يحتاج إلى شخصٍ يفهم ما يدور بداخله."
خفضَ عينيه.
وللمرة الأولى، كانت قبضتاه مفتوحتين.

 

اليوم الذي تغير فيه كل شيء

بعد بضعة أيام، دخل آدم في شجار آخر.
كان الأمر جاداً هذه المرة.
أخذ طفل آخر القلم الرصاص الخاص به.
دفع آدم ذلك الطفل.
سقط الصبي أرضاً.
ساد الصمت في الفصل.
فصلت المعلمة بينهما على الفور.
"آدم! كفى!"
احمرّ وجه آدم.
"لم أقصد..."
"اخرج!"
مشى نحو الباب.
ثم توقف.
استدار وصرخ:
"لا أحد يستمع إليّ أبداً!"
وفجأة، بدأ بالبكاء.
لم يكن بكاء الغضب الذي يصدر عن طفل يريد لفت الانتباه.


غالباً ما يبدأ الشفاء بلحظة صغيرة
غالباً ما يبدأ الشفاء بلحظة صغيرة 


كان الأمر مختلفاً.
كان ذلك النوع من البكاء الذي يبدو وكأنه كان ينتظر منذ وقت طويل جداً.
تجمدت المعلمة في مكانها.
ساد الصمت بين الأطفال.
غطى آدم وجهه بكلتا يديه.
همس قائلاً: "لا أريد أن أكون هكذا".
غيّرت تلك الجملة الأجواء في الغرفة.
لأننا فجأة، لم نعد ننظر إلى طفل عدواني.
بل كنا ننظر إلى طفل يعاني من أمر يفوق قدرته على التعبير عنه.
 
أخيراً، وجد من يستمع إليه
جلست المعلمة بجانبه.
لم تصرخ.
ولم تلقِ عليه المواعظ.
ولم تطلب منه التوقف عن البكاء.
قالت ببساطة:
"أخبرني".
لم يجب آدم على الفور.
ثم، ببطء، بدأت الكلمات تخرج.
"أبي غاضب طوال الوقت".
ظلت المعلمة صامتة.
"إنه يصرخ في وجه أمي".
لحظة صمت أخرى.
"وأحياناً يصرخ في وجهي".
مسح آدم عينيه.
"عندما يغضب، أختبئ في غرفتي".
انخفض صوته.
"لذا، عندما يأخذ أحدهم شيئاً مني... أو يضحك عليّ... أو يصرخ في وجهي..."
توقف عن الكلام.
"أشعر وكأنني عدت إلى هناك".
لم يتحدث أحد.
ثم قالت المعلمة بصوت هادئ:
"آدم، ما حدث في المنزل ليس خطأك".
نظر إليها.
"لكنني أستمر في الغضب".
قالت: "نعم". "وسنساعدك على تعلم كيفية التعامل مع ذلك الغضب."
للمرة الأولى، لم يطلب أحد من آدم أن يكون أقل غضباً.
بل عرض عليه أحدهم المساعدة في فهم غضبه.
كان ذلك الاختلاف مهماً.

 

الطريق الطويل نحو التغيير

لم يتغير آدم بين عشية وضحاها.
فالأطفال الحقيقيون لا يتغيرون بتلك السرعة.
ظلت هناك صباحات صعبة.
وظلت هناك مشاحنات.
وظلت هناك لحظات يسبق فيها غضبه كلماته.
لكن شيئاً ما قد تغير.
فبدلاً من القول فوراً:
"آدم عدواني"،
بدأت معلمته تسأل:
"آدم، ماذا حدث؟"
وبدلاً من إبعاده في كل مرة ينزعج فيها، كانت توفر له أحياناً مكاناً هادئاً ليلتقط أنفاسه.
وبدلاً من توقع أن يفهم مشاعره تلقائياً، علّمته الكلمات التي تعبر عنها:
غاضب.
خائف.
محرج.
وحيد.
مجروح.
وببطء، بدأ آدم يستبدل قبضتيه بالكلمات.
في أحد الأيام، أسقط صبي آخر كتبه عن غير قصد.
شعر آدم بالغضب.
وتوقع الجميع انفجاراً في رد فعله.
لكن آدم شدّ على يديه.
وأخذ نفساً عميقاً.
ثم قال:
"رجاءً، لا تلمس أشيائي."
ساد الفصل هدوء غريب.
وابتسمت معلمته.
ليس لأن كل شيء أصبح مثالياً فجأة.
بل لأنها أدركت مدى أهمية تلك الجملة والمسافة التي قطعتها.

 

بعد سنوات

أتساءل أحياناً عما حل بآدم.
هل تذكر أولئك الذين وصفوه بالعدوانية؟
على الأرجح.
فالأطفال يتذكرون الكلمات لفترة أطول بكثير مما يتخيل الكبار.
لكنني آمل أن يكون قد تذكر شيئاً آخر أيضاً.
آمل أن يكون قد تذكر المعلمة التي جلست بجانبه.
تلك التي لم تكتفِ بالنظر إلى سلوكه فحسب.
بل بحثت عن الطفل الكامن وراء ذلك السلوك.
لأن تلك ربما تكون واحدة من أعظم مسؤوليات المدرسة.
فالمدرسة ليست مجرد مكان يتعلم فيه الأطفال الرياضيات والعلوم واللغة والتاريخ.
بل هي أيضاً أحد الأماكن التي يشكّل فيها الأطفال قناعاتهم عن أنفسهم.
إذا قلنا للطفل مراراً وتكراراً:
"أنت طفل سيء"،
فقد يصدقنا في النهاية.
أما إذا قلنا له:
"أنت تتألم، وسنساعدك"،
فإننا نمنحه احتمالاً آخر.
احتمالاً للتغيير.
واحتمالاً للنمو.
احتمالاً ليصبح شخصاً مختلفاً عن ذلك الطفل الذي توقّع الجميع أن يكونه.

 

عندما يشعر الطفل أخيراً بأنه مقبول
عندما يشعر الطفل أخيراً بأنه مقبول

الطفل الكامن وراء السلوك

ثمة درس مهم هنا للآباء والمعلمين ولنا جميعاً:
السلوك هو وسيلة للتواصل.
وهذا لا يعني وجوب تبرير كل تصرف عدواني.
فلا ينبغي ذلك.
الطفل الذي يؤذي طفلاً آخر يحتاج إلى حدود واضحة.
والطفل الذي يُتلف الأشياء يحتاج إلى عواقب (أو إجراءات تأديبية).
والفصل الدراسي يحتاج إلى بيئة آمنة.
لكن العواقب وحدها قد لا تجيب عن السؤال الأعمق:
ما الذي يحاول هذا الطفل إخبارنا به من خلال سلوكه؟
أحياناً ينبع العدوان من الإحباط.
وأحياناً من الخوف.
وأحياناً من صعوبات يواجهها الطفل في منزله.
وأحياناً من الشعور بالرفض أو التنمر أو التجاهل، أو العجز عن التعبير عن المشاعر.
وفي بعض الأحيان، تكون هناك صعوبات نمائية أو عاطفية أعمق تتطلب دعماً مهنياً مناسباً.
الحل ليس في تجاهل السلوك الضار.
بل يكمن الحل في استيعاب حقيقتين في آن واحد:
"ما فعلته لم يكن تصرفاً مقبولاً".
و:
"أنت لا تزال تستحق المساعدة".
هذا التمييز الدقيق يمكن أن يغير حياة الطفل.
 
طفل واحد. معلم واحد. ونهاية مختلفة.
ربما تكون قصة "آدم" خيالية.
لكن هناك الكثير من الأطفال مثله يجلسون في الفصول الدراسية حول العالم.
بعضهم صاخب.
وبعضهم صامت.
بعضهم يميل للشجار.
وبعضهم يميل للانزواء.
بعضهم يطلق النكات طوال اليوم.
وبعضهم يصبح مصدر الشغب في الفصل.
وبعضهم يصبح بارعاً في إخفاء ألمه.
قد لا نعرف أبداً ما حدث قبل أن يعبروا بوابة المدرسة في ذلك الصباح.
لذا، ربما يجدر بنا التريث قبل إطلاق الأحكام على الطفل...
والمبادرة بسرعة أكبر إلى الاستماع إليه.
لأنه خلف الطفل الذي يصرخ،
قد يكون هناك طفل خائف.
وخلف الطفل الذي يدفع الآخرين،
قد يكون هناك طفل لا يعرف كيف يطلب مساحة خاصة لنفسه.
وخلف الطفل الذي يقول:
"اتركوني وشأني"،
قد يكون هناك طفل يأمل سراً أن يبقى أحدهم بجانبه.
وأحياناً...
يمكن لأبسط بادرة تفهّم أن تكون نقطة تحول في حياة بأكملها.

 

رسالة أخيرة للآباء والمعلمين

رجاءً، لا تتخلوا عن الطفل "صعب المراس".
ضعوا حدوداً واضحة. احمِ الأطفال الآخرين، وتعامل مع السلوك الضار بجدية.
ولكن، بينما تعمل على تقويم السلوك، انظر إلى الطفل نفسه.
اسأل عما حدث.
استمع جيداً قبل إطلاق الأحكام.
علّم الطفل بدلاً من إذلاله.
صحّح مساره دون المساس بكرامته.
وتذكّر:
لا ينبغي أبداً أن تصبح أسوأ لحظة في حياة الطفل هي الصفة التي نلازمه بها طوال عمره.
ربما تكمن هنا "اللمسة الساحرة" التي تحتاجها هذه القصة؛ ليس سحراً يُغيّر الطفل بين عشية وضحاها، بل ذلك السحر الحقيقي المتمثل في اختيار شخص بالغٍ ما أن يرى الطفل كإنسان، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى المشكلة.



 


أنت الان في اول موضوع
author-img
مدونة جسور المعارف للعلوم والثقافة تقدم نبذة عن موضوعات ثقافية، علمية، تقنية، تاريخية، وما يتعلق بالأسرة والطفل من المشكلات الحياتية وما ساهمت به التكنولوجيا الحديثة وما يمكننا الكسب منها.
التنقل السريع